الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
377
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
فطرته زمنا ، ويهش إلى كلام الوعّاظ والحكماء والصالحين ويكرمهم ويعظمهم ويودّ طول بقائهم . فإذا ساورته الشهوة السيئة فزينت له ارتكاب المفاسد ولم يستطع ردها عن نفسه انصرف إلى سوء الأعمال ، وثقل عليه نصح الناصحين ، ووعظ الواعظين على مراتب في كراهية ذلك بمقدار تحكم الهوى في عقله . ولهذا كان الأصل في الناس الخير والعدالة والرشد وحسن النية عند جمهور من الفقهاء والمحدّثين . وجملة : ثُمَّ رَدَدْناهُ أَسْفَلَ سافِلِينَ معطوفة على جملة : خَلَقْنَا الْإِنْسانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ فهي في حيّز القسم . وضمير الغائب في قوله : رَدَدْناهُ عائد إلى الإنسان فيجري فيه الوجهان المتقدمان من التعريف . و ثُمَّ لإفادة التراخي الرّتبي كما هو شأنها في عطف الجمل ، لأن الرد أسفل سافلين بعد خلقه محوطا بأحسن تقويم عجيب لما فيه من انقلاب ما جبل عليه ، وتغيير الحالة الموجودة أعجب من إيجاد حالة لم تكن ، ولأنّ هذه الجملة هي المقصود من الكلام لتحقيق أن الذين حادوا عن الفطرة صاروا أسفل سافلين . والمعنى : ولقد صيرناه أسفل سافلين ، أو جعلناه في أسفل سافلين . والرد حقيقته إرجاع ما أخذ من شخص أو نقل من موضع إلى ما كان عنده ، ويطلق الرد مجازا على تصيير الشيء بحالة غير الحالة التي كانت له مجازا مرسلا بعلاقة الإطلاق عن التقييد كما هنا . و أَسْفَلَ : اسم تفضيل ، أي أشدّ سفالة ، وأضيف إلى سافِلِينَ ، أي الموصوفين بالسفالة . فالمراد : أسفل سافلين في الاعتقاد بخالقه بقرينة قوله : إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا [ التين : 6 ] . وحقيقة السفالة : انخفاض المكان ، وتطلق مجازا شائعا على الخسة والحقارة في النفس ، فالأسفل الأشد سفالة من غيره في نوعه . والسافلون : هم سفلة الاعتقاد ، والإشراك أسفل الاعتقاد فيكون أَسْفَلَ سافِلِينَ